السيد حيدر الآملي

396

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

الخلق ؟ قال : لما هم عليه . أي لما هم عليه من الاستعدادات والقابليّات والنقائص والكمالات ويكفي في هذا قوله : ولذلك خلقهم ، لأنه يقوم بجواب الكلّ عند العارف المحقّق كما سبق ذكره بأنّ اللام الّذي في ذلك للعلّة فيكون تقديره : أي للاختلاف خلقهم ، وقد عرفت أنّ الخلق بمعنى الجعل فيرجع القول إلى ما قلناه مرارا بأنّه يقول : جعلتهم كذا وكذا بمقتضى ما كانوا عليه في العالم الذّوات والماهيّات وإذا بيّن الاختلافات في الذّوات بيّن الاختلافات في الصّفات ، وإذا بيّن الاختلافات في الصّفات والذّوات ارتفع التساوي بينهم في جميع الحالات ، ولهذا نطق بالحقّ والعدل وصدق في القول والفعل من قال بعدم المثليّة في الأشياء مطلقا دون واجب الوجود لأنّه شاهد حقا ونطق عدلا ، وقد تقرّر في الأصول عند أرباب التوحيد أنّ التجلّي غير متكرّر وان الحق لا يتجلّى أبدا في صورة مرّتين . ولا بمعنى واحد فيه . وكذلك أزل الآزال وأبد الآباد والباقي باق في الأزل والفاني فإن لم يزل وإذا رجعت إلى القاعدة الكليّة : أنّه ليس في الوجود غيره ولا غير أسمائه وصفاته والكلّ هو وبه ومنه وإليه عرفت أنّ كمالاته غير متناهية من غير تكرار والوجود كلّه مظهر كمالاته الغير المتناهية وعرفت أنّ هذا صحيح وقط لا يمكن في الوجود مساواة من جميع الوجوه أصلا وأبدا وعرفت معنى قوله : وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ [ سورة هود : 118 ] . وعرفت سرّ إشارته ولذلك خلقهم ، وقد صنّفنا رسالة في المبدأ والمعاد أكثرها مشتملة على هذه الأبحاث ورتّبنا لها خطبة أيضا مشتملة على هذا المجموع والخطبة لها مناسبة بهذا الكلام نذكرها ونختم هذه الأبحاث وهي هذه : الحمد للّه الموجد بجوده العام وجود الموجودات والمخلوقات من المبدعات والمكوّنات ، المعطي حقّهم من حيث اقتضائهم الذّاتي في عالم الأعيان والماهيّات ، الظّاهر فيهم على حسب اختلافاتهم في الاستعدادات والذّوات ، الحاكم عليهم بحسب حكمهم عليه في عالم الأسماء والصّفات ، لئلّا يكون لأحد منهم عليه حجّة بظهور أفعالهم من الحسنات والسيّئات ، ويصل كلّ واحد منهم إلى مقامه المعيّن له بحسب اختلاف الملكات ، وصلّى اللّه على من هو أكمل منهم في تطبيق هذه الطبقات ، المخصوص من بينهم ذاتا وصفة بأشرف المقام وأعظم